الشيخ محمد رشيد رضا
486
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيها جنة الأمراض والادواء التي تفتك بأهلها ، ثم إنهم يحتاجون في جملة ما يقيمون من الدور والدكاكين والمعامل والمدارس والثكنات للسكن والاعمال العامة والتجارة والصناعة والتعليم والجند التي يسمى مجموعها المدينة إلى مثل ما يراعى في كل دار من قوانين الصحة كسعة الشوارع والجواد العامة وما يتفرع منها من النواشط الخاصة بطائفة من السكان بحيث يكون الانتفاع بالهواء والشمس عاما ، وينبغي أن يكون للمدينة الكبيرة حدائق وبساتين واسعة مباحة لجميع أهلها لما أشرنا اليه من حاجة الانسان والحيوان إلى الشجر في اعتدال الهواء وليختلف إليها الناس عند إرادة الاستراحة من الاعمال ، وأحوجهم إليها الأطفال يتفيئون ظلالها ويستنشقون هواءها النقي المنعش . فان قصروا في هذا التابت الأمراض من يقيمون في الدور التي لا يطهرها الهواء والنور ثم تسري إلى من يخالطهم من سائر طبقات السكان . وخير الهواء المعتدل بين الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة ومن فوائد الحار إفراز العرق من الجلد وهو مطهر لباطن البدن كتطهير الحمام لظاهره بما يخرج معه من الفضلات الميتة والمواد السامة فهذه الفائدة توازي ضرره في عسر التنفس وقلة ما يدخل معه في الرئة من الاكسجين وقلة ما يخرج منها من الكربون السام وفي ضعف الهضم واسترخاء الجسم ومن فوائد البارد تشديد الأعصاب وتنشيط الجسم وهو يحدث حرارة في الباطن بكثرة ما يدخل معه من الاكسجين في الجوف ( وهو مولد الحرارة والاشتعال ) فيحتاج إلى كثرة الوقود الذي يحرقه وهو الغذاء ولذلك يكثر الاكل ويقوى الهضم في الجو البارد وتشتد الحاجة فيه إلى الحركة والعمل لدفع الدم إلى الشرايين التي في ظاهر الجسم لتدفئته ، فهو يفيد الأقوياء الأصحاء ويضر الضعفاء والمصابين ببعض الأمراض الصدرية وغيرها فعلم من هذا أنه ينبغي تخفيف الطعام في زمن الحر واجتناب الاكثار من اللحم ولا سيما الأحمر منه ومن الحلوى والادهان وجعل معظم الغذاء من البقول والفاكهة ومن حكم اللّه تعالى ولطف تدبيره في الهواء وفي اختلاف بقاع الأرض في الحر والبرد ما يحدثه هذا الاختلاف من الرياح ومالها من المنافع للاحياء ولا سيما الناس فمن سننه تعالى في نظام الكون أن الحرارة تمدد الأجسام فيخف وزنها وأن المائعات والأبخرة والغازات منها يعلو ما خف منها على ما ثقل فإذا وضع ماء وزيت